بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إخواني وأخواتي إغضاء وزوار هذا المنتدى الراقي
في البداية اعتذر عن تأخرنا بنقل الإخبار لظروف الاجازه والسفر
واليوم نعود لكم بالجديد أسال الله العلي القدير أن ينفع به الجميع
سننقل لكم تفاصيل محاضرتنا ليوم السبت الموافق 06/02/2010
والتي كانت بعنوان
((تطوير الرعاية الصحية بالمملكة العربية السعودية))
والذي تفضل بإلقائها سعادة الأستاذ الدكتور
زهير أحمد السباعي
وألان نترككم تمتعون بالمحاصر والصور المعبرة
((( الدكتور زهير أحمد السباعي )))
((( نضره عامه للمجلس أثناء المحاضرة )))
((( مداخلة من العالم الجليل زغلول النجار )))
((( أثناء تسلم الدكتور شهادة الشكر والتقدير )))
((( الدكتور يدون كلمته بسجل الزوار )))
((( أثناء توديعه )))
((( لقد تفضل الدكتور علينا بتدوين هذا المقال الرائع محور المحاضر مشكورا )))
مستقبل الرعاية الصحية في المملكة
الأستاذ الدكتور/ زهير أحمد السباعي
في حديثي عن مستقبل الرعاية الصحية أشير إلى موقفين لهما دلالتهما:
الموقف الأول.. كان بعد أن انتهيت من دراستي في ألمانيا في تخصص طب لمناطق الحارة وأعددت نفسي للسفر إلى أمريكا لإكمال دراستي العليا في الصحة العامة. توقفت في المملكة مع زوجتي وطفلتي الصغيرة لمدة ثلاثة أسابيع. سكنا في بيت شعبي في الهدا من ضواحي الطائف، وإلى جوارنا مركز صحي فيه ممرض. دأبت على أن أمضي سحابة يومي في المركز الصحي أفحص وأعالج الحالات المرضية وأكثرهم من الأطفال. أغلب الأمراض كانت يومذاك نتيجة لسوء التغذية والجهل وتدني صحة البيئة. وفي نهاية اليوم أعود إلى بيتي وأنا في قمة السعادة لاني أديت واجبي حيال مالا يقل عن 30 طفلاً.
المشكلة هي أني وأنا طبيب مؤهل لم أسأل نفسي. هل كان بالإمكان وقاية هؤلاء المرضى من أمراضهم التي أتت بهم إلي؟ وماذا عن الأطفال الذين عالجتهم وقدر لهم أن يشفوا بإذن الله هل يمكن أن يصابوا مرة أخرى بنفس الأمراض أو غيرها بتأثير البيئة التي عادوا إليها؟
هذه الأسئلة لم أطرحها على نفسي لأني ما تهيأت في دراستي الطبية للجانب الوقائي. وإنما تهيأت لمعالجة المريض بعد أن يصاب بالمرض.
الموقف الثاني كان بعد أن عزمت على تأليف كتاب بعنوان "مستقبل الرعاية الصحية في المملكة" تذكرت معالي الدكتور/ غازي القصيبي عندما كان يردد وهو وزير الصحة أني كنت أقض مضجعة وأنا أشير في دراساتي إلى أن الطبيب لا يبذل أكثر من دقيقتين ونصف في رؤية المريض في بعض المراكز الصحية والعيادات الخارجية بالمستشفيات.
وجدتني يومها وجهاً لوجه أمام مركز صحي في أحد مدن المملكة، قررت أن أدخل المركز لأعرف
ما يدور فيه. خلعت الغترة والعقال وقلت أنا أسمي محمد عبدالله. أعطوني تذكرة. عند غرفة الطبيب وجدت أمامي أثنين أولهما دخل على الطبيب وخرج بعد دقيقة، والثاني أيضاُ دخل وخرج بعد دقيقة. دخلت على الطبيب.. السلام عليكم وعليكم السلام. سألني الطبيب مم تشكو؟ قلت عندي وجع في جنبي. قال لي منذ متى؟ قلت منذ 3 أيام. قال كيف البول؟ لوحت له بيدي وقلت يعني. ولم أزد حرفاً. وهنا امتدت يده الكريمة تخط الدواء. دقيقة واحده لا غير استغرق الفحص والتشخيص وكتابة الدواء. ذهبت إلى الصيدلية أعطوني 5 كبسولات مضاد حيوي (نصف الجرعة المطلوبة) ومسكن. رجعت للطبيب قلت له هذا الدواء فيما يبدو لي مضاد حيوي والذي أعرفه أنه إما أن يؤخذ ككل أو لا يؤخذ البته. قال لي لا ليس كل المضادات الحيوية كذلك!! هذا ما وجدته في مركز صحي واحد ولا أستطيع أن أحكم على بقية المراكز الصحية .
وفي لقاء علمي عقد في جامعة القاهرة ضم لفيفاً من أساتذة الطب. ذكرت لهم تجربتي الشخصية في المركز الصحي في ضواحي الطائف، وقصة الطبيب الذي عالجني في دقيقة واحدة. وسألتهم من منهم يعتقد أن هذا هو النمط الغالب للرعاية الصحية التي تعقد لعامة الناس في العالم العربي فليرفع يده..ما بقى منهم أحد إلا رفع يده.
سادتي الكرام هذا هو نمط الممارسة الطبية الغالب الذي نراه في المراكز الصحية والمستشفيات العامة في مصر وفي السعودية وفي سوريا وفي اليمن والذي يقدم لنحو من 80% من عامة الناس.
مشكلة الرعاية الصحية في بلادنا وفي غيرها من البلاد العربية تتلخص في خمسة جوانب:
1- غياب التخطيط الاستراتيجي 2- مركزية الإدارة 3- القوى البشرية غير مهيأة تهيئة جيدة.
4- غياب مفهوم تعزيز الصحة. 5- غياب مشاركة المجتمع.
هذه الخمسة جوانب لو أنها أعطيت حقها من التخطيط العلمي الهادف لكان بمقدورنا تغيير الرعاية الصحية في بلادنا وفي غيرها من البلاد العربية إلى الأفضل. الرعاية الصحية التي أعنيها هي تلك التي تعني بالإنسان قبل مرضه وأثناء مرضه وبعد مرضه. الرعاية الصحية الأساسية العلاجية والوقائية التي توفر لساكن المدينة والقرية والبادية.
1-غياب التخطيط الاستراتيجي.
لقد نمت الرعاية الصحية في بلادنا خلال نصف قرن من لا شيء تقريباً إلى الشيء الكثير بفضل من الله ثم برعاية ولاة الأمر وفقهم الله. قبل 50 سنة كان لدينا في المملكة فقط 111 طبيباً وعدد الأسرة لا يتجاوز 1000 سرير، واليوم أصبح لدينا 393 مستشفى تحتوي على 54 ألف سرير ولدينا 53 ألف طبيب، ونحو 200 ألف ممرض ومساعد صحي (ذكور وإناث). هذه الأرقام تنبئ عن موارد صحية جيدة مقارنة بكثير من الدول ولكنها وحدها لا تكفي لأن تكون معايير نقيس على أساسها مستوى الوضع الصحي أو أن نخطط بناء عليها مستقبل الرعاية الصحية. قياس مستوى الرعاية الصحية والتخطيط المستقبلي لها يجب أن يستند بالإضافة إلى هذه المعايير إلى معايير أخرى "حيوية" تلك هي معدل انتشار الأمراض والحوادث ومعدل الوفيات. هذه هي المعايير التي يجب أن نتخذها لقياس الوضع الصحي في بلادنا ومقارنته بمجتمعات أخرى، ومقارنة اليوم بالأمس بالغد. أما عدد المستشفيات وعدد الأسرة وعدد العاملين الصحيين فهي أرقام قد يصاحبها سوء في التوازيع أو سوء في الإدارة أو سوء في الاستخدام وبالتالي تصبح بلا فائدة حقيقية.
سوف أستعرض هنا أحد المعايير "الحيوية" التي يجدر بنا أن نقيس بها الوضع الصحي وأن نخطط على أساسها.. ذلك هو معدل وفيات الأطفال الرضع. بمعنى عدد الأطفال الذين يتوفون خلال السنة الأولى من الحياة من بين كل 1000 طفل يولد في السنة. وفيات الأطفال الرضع تتأثر بعشرات العوامل في المجتمع.. من بينها غذاء الطفل وغذاء أمه (قبل وأثناء وبعد الحمل)، وصحة البيئه، ومستوى النظافة، ومستوى التعليم في الأسرة، ومستوى دخلها. وكما أن هناك علاقة عكسية بين متوسط دخل الفرد في المجتمع ومعدل وفيات الأطفال الرضع فيه. أي كلما زاد دخل الفرد (الذي ينعكس بدوره على مستوى التعليم والتغذية وصحة البيئة) فكما تدنى معدل وفيات الأطفال الرضع.
إذا نظرنا إلى بلادنا مقارنة بدول مثل ماليزيا وسيريلانكا وتشيكوسلوفاكيا نجد عندنا انحرافاً عن هذه القاعدة. فمعدل وفيات الأطفال الرضع في السعودية 21 في الألف، وفي كل من ماليزيا وسيريلانكا 10 في الألف، وفي تشيكوسلوفاكيا 3 في الألف. من جانب أخر متوسط دخل الفرد (حسب تقديرات الأمم المتحدة) في السعودية 21 ألف دولار في السنة، وفي ماليزيا 11 ألف دولار، وفي سيرلانكا 7 آلاف دولار، وفي التشيك 21 ألف دولار.
هذه الإحصاءات تشير إلى أن هناك خلل ما . وفيات الأطفال الرضع لدينا يجب أن تكون أفضل من ماليزيا وسيرلانكا وأقرب إلى التشيك. وهنا يجب أن أنبه إلى أن السبب في هذه الفوارق ليس الرعاية الصحية وحدها ولكن يشاركها عوامل كثيرة أخرى اجتماعية وبيئية وثقافية. والتخطيط الاستراتيجي المبني على أسس علمية كفيل بأن يحل هذه المشكلة.
2- مركزية القرار..
أتطلع إلى اليوم الذي تناط فيه مسئولية المستشفى، أي إدارته وتطويره ووصله بحاجة المجتمع إلى مدير المستشفى نفسه مع جهازيه الفني والإداري. بعد أن يحسن اختيار المدير ويهيأ لهذا الدور ومن ثم يحاسب على النتائج. في تقديري الشخصي أن كثيرا من وقت وجهد مدراء المستشفيات يستهلك في المعاملات الإدارية بدلاً من التطوير والتحسين . في يوم من الأيام أتصل بي صديق يرجوني أن أتوسط لابنته الطبيبة التي تزوجت وتطلب إجازة شهر العسل بدون مرتب. وبعد أن سعى وبحث وتقصى وجد أن الحل يكمن في يد وكيل الوزارة أو الوزير نفسه. كثير من القرارات التي يمكن أن يبت فيها مدير المستشفى أو مدير المركز الصحي نجدها تأخذ طريقها إلى مستوى أعلى ثم تعود بعد زمن حاملة التوجيهات. مركزية القرار هي أحد المعوقات الرئيسة التي تعاني منها الرعاية الصحية.
2-القوى البشرية.
يعمل في المملكة 53000 ألف طبيب (21% منهم سعوديون) أي بمعدل طبيب لكل 500 نسمة. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو ما دور الطبيب في السعودية أو في مصر أو في سوريا أو في اليمن في الارتقاء بصحة الإنسان؟ وأعود فأذكركم بحكايتي في المركز الصحي بالهدا، وحكاية الطبيب الذي فحصني وعالجني في دقيقة واحدة.
الأطباء والممرضون والممرضات وبقية أفراد الفريق الصحي أكثرهم لم يهيئوا ويدربوا لتقديم الرعاية الصحية الشاملة التي ترتقي بالإنسان وتعني به قبل مرضه وبعد مرضه وأثناء مرضه. الكليات والمعاهد الصحية – في أغلب دول العالم النامي- استقت مناهجها من دول الغرب ( الذي قد لا يحتاج إلى الوقاية كما نحتاجها نحن ) ، وأصبحت تهيئ الدارسين فيها لعلاج المريض بعد أن يصاب بالمرض ولا تعطي أهمية كافية لوقاية الإنسان من المرض قبل أن يصاب به . ترى هل يمكن أن نعود يوماً إلى أسلوب الصينيين القدماء عندما كانوا يعطون الحكيم أجرته وهم أصحاء، فإذا ما مرض أحدهم توقف عطاؤه لأن طبيبه أخل بعمله !!.
جانب أخر من المشكلة نجده في نسبة الأطباء السعوديين. قبل عشر سنوات كانت 20 % وهي اليوم لا تزيد عن 21 %. لا شك أننا نشكر للمسئولين اهتمامهم بإنشاء الكليات الحكومية والأهلية، ولكن يا حبذا لو كان ذلك ضمن خطة عمل نحدد من خلالها ما نحتاجه بعد 30 أو 50 سنة.
جانب أخر من مشكلة القوى البشرية نجده في اختلال الهرم الوظيفي. يوجد لدينا 3.8 ممرضين ومساعدين صحيين لكل طبيب، وهي نسبة متدنية بكل المعايير ويجب أن ترتفع إلى مالا يقل عن 8 ممرضين ومساعدين صحيين لكل طبيب.
فإذا ما اعتبرنا معدل الزيادة السكانية الطبيعية ( 2.5 % ) فإن عدد المواطنين – غير الوافدين – سوف يتضاعف بعد 28 سنة. وبعملية حسابية نجد أننا نحتاج في خلال 25 سنة القادمة أن ندرب مالا يقل عن 500.000 ممرض ومساعد صحي (ذكور وإناث) لكي نصل إلى 60% فقط من احتياجاتنا إلى الممرضين والمساعدين الصحيين السعوديين ( الموجود منهم حالياً حوالي 50.000) وهذا يعود بنا مرة أخرى إلى ضرورة التخطيط الاستراتيجي.
قضية أخرى ذات صلة بالتعليم الطبي. أنا من المؤمنين بضرورة تعلم اللغات الأجنبية لكي نتصل بثقافات العالم وتطور العلوم. أما أن نتعلم أي علم بلغة أجنبية فلا.. ومن يظن أن تعلم علم ما كالطب أو غيره بلغة أجنبية يؤدي إلى إجادة اللغة فهو مخطئ. إجادة لغة أجنبية يأتي من دراستها كلغة .. صرفها ونحوها ومفرداتها.
طالب الطب الذي يدرس في سنته الأخيرة في كلية الطب باللغة الانجليزية سرعته في القراءة وقدرته على الاستيعاب لا توازي نصف سرعة الطالب الأمريكي أو الانجليزي. وفي دراسة أجريتها بين طلاب الطب في سنتهم النهائية في جامعة الملك فيصل ونشرتها في كتابي "تجربتي في تعليم الطب باللغة العربية" وجدت أن الطالب إذا ما قرأ ورقة علمية باللغة العربية يستطيع أن يقرأها ويستوعب ما فيها 80% أفضل مما لو قرأها باللغة الإنجليزية . وقد يظن البعض أن الكلمات في كتب الطب أكثرها كلمات علمية. والواقع يقول أن نسبة المفردات العلمية في كتب الطب إذا استثنينا التكرار لا تتجاوز 3%. الخلاصة هي أن طالب الطب والعلوم الصحية يجب عليه أن يجيد لغة أجنبية أو أكثر، أما أن يتعلم العلوم الطبية بلغة أجنبية قلا. ولن ترتقي الآمة العربية إلا إذا احترمت لغتها.
3-تعزيز الصحة.
تعزيز الصحةيعني أن نهيئ الناس لتحمل مسئوليتهم الصحية. ولن يكون ذلك الا إذا كانت معلوماتهم الصحية سليمه وسلوكهم الصحي سليم . فمن المعروف أن 80% من أسباب الصحة والمرض في أي مجتمع يعود إلى أسلوب الحياة لأفراد المجتمع بالإضافة إلى ظروف البيئة التي تحيط بهم. وأقل من 20% يرجع للرعاية الصحية.
أنت تذهب إلى قرية من القرى فتجد كثيراً من الأطفال أسنانهم مسوسه. لماذا؟ لأنه لا يوجد وعي صحي ومن ثم سلوك صحي سلسم. ولا أعني بذلك مجرد التثقيف الصحي. ولكنه التثقيف الصحي الذي ينتهي بتغيير في السلوك. كنت ذات يوم مهتماً بمرض البلهارسيا وذهبت إلى منطقة ريفية لإجراء دراستي عن المرض. وكان هناك سيل ماء يجري فذهبت إلى مجرى السيل لأجمع قواقع البلهارسيا تمهيدا لفحصها . ألتقطها بملقاط وأضعها في وعاء محاذراً أن تبتل يدي بالماء الذي قد يكون ملوثاً بيرقات البلهارسيا. عرض سائقي عليَ المساعدة. فأعطيته ملقاطاً ووعاء ً وحذرته من ابتلال يده بالماء. وعلى مدى ساعة لم تسقط قطرة ماء على يده. حتى إذا ما أذن المؤذن لصلاة المغرب شمر عن يديه وساقيه وخاض في الماء. العبرة هنا أن تحول المعلومة إلى سلوك صحي أمر صعب، ولكنه ممكن إذا أتخذ له أسلوب علمي سليم.
طالما ناديت بتخصيص 2 % فقط من ميزانية الصحة في بلادنا لتعزيز الصحة أي إيصال المعلومة الصحية إلى كل أفراد الأمة بحيث تسهم في تغيير السلوك. ميزانيتنا الصحية والاجتماعية لهذا العام 61 مليار. لو خصص منها 2% أى مليار ومائتي مليون ريال لتعزيز الصحة لاستطعنا أن نخفض من نسبة الأمراض و من مستوى الصرف على العلاج.
5- مشاركة المجتمع .
انقل لكم صورة شاهدتها في فنلندا. وزارة الصحة في فنلندا عدد العاملين فيها لا يزيد عن مائة , كلهم من العلماء والمخططين الصحيين. مهمتهم التخطيط والمتابعة والتقييم أما تنفيذ الرعاية الصحية فهي مسؤولية المناطق وأيضاً المجتمعات الصغير التي يسموها كوميون.
الكوميون قد لا يزيد عدد أفراده عن عشرة الآف نسمه. قد يكون ضاحية في مدينة أو ربما قرية. الكوميون لديه ميزانية يصرف منها على المشاريع الصحية ويحاسب عليها. الميزانية تأتي من موارده الخاصة. ومن موارد المنطقة و الدولة . مجموعة من أفراد المجتمع فيهم الطبيب والموظف والتاجر والمهندس مسئولون عن الإشراف على المشاريع. إذا ما صادفتهم في المجتمع مشكلة صحية أو أرادوا أن يطوروا الخدمات الصحية، هم الذين يقررون ماذا يجب أن يعمل. قد يقومون بتدريب للممرضات أو إنشاء قسم في المستشفى أو إنشاء مركز صحي المجتمع يتصرف ويحاسب على النتائج. إذا أحسن رصدت له الدولة ميزانية أكبر و إذا أساء حوسب على الإساءة. وصدقوني أن المجتمع في بلادنا لديه استعداد للمشاركة إذا ما هيئت له الفرصة. والأمثلة على ذلك كثيرة.
قبل سنوات دعيت لإلقاء محاضرة بالجوف عن دور الإنسان في الحفاظ على صحته. قلت للحضور أن المحاضرة سوف تنسى بعد أيام. وأضفت أنهم إذا ما جمعوا قدراً من المال يمكن استقطاب لهم خبراء من منظمة الصحة العالمية يسهمون في جعل مدارس الجوف مدارس معزز للصحة. سألوني كم المبلغ المطلوب قلت حوالي 500 ألف ريال . بعدها بأسبوعين لقيت الأمير طلال بن عبد العزيز فسألني عن أخباري وعندما عرف مني عن موضوع الجوف قال أنا متبرع بنصف المبلغ ثم جاء زميلي في مجلس الشورى الدكتور/ زياد السديري فتبرع بمائة ألف ريال وتحمس أهل الجوف فأكملوا بقية المبلغ. ونفذنا مشروع تعزيز الصحة في المدارس بمشاركة المجتمع. بعد عامين وفي مسابقة أقيمت في لبنان عن أفضل مدارس معززة للصحة في العالم العربي فازت 17 مدرسة اثنتان منها كانت من الجوف.
نموذج آخر لاستعداد المجتمع للمشاركة إذا ما أتضح له الهدف. كنا نأخذ طلاب السنة الرابعة في كلية الطب في رحلات حقلية للتدريب على صحة المجتمع. واحدة من هذه الرحلات كانت لمدة أسبوعين في منطقة القصيم. كانت المجموعة مكونة من 30 طالباً و 15 من أعضاء هيئة التدريس. وبالرغم من أن لدينا ميزانية للتدريب من الجامعة. إلا أني أذعت بين الناس قبل بداية التدريب الميداني أننا لن نختار للتدريب الميداني إلا القرى التي توفر لنا السكن و السيارات و توفر لنا المدرسين و المدرسات للعمل معنا . فكانوا يتسابقون لاستضافتنا . و كانوا سعداء جداً بالمشاركة.
ختاماً أسأل الله سبحانه و تعالى أن يوفق ولاة الأمر في بلادنا والمسئولين فيها لما فيه الخير والصلاح.
أرجو من الله العلي القدير أن نكون قد وفقنا
لنقل هذا الموضوع بصوره
جميله وان يستفيد منه الجميع
مع خالص تحيات
إخوانكم
بديوانية جدة